التجديد الطلابي كلية العلوم فاس

هيا يا شباب الجيل للاسلام نظهره، بأجمل حلة حتى يشد الناس منظره، فاذا انشد للاسلام من كان ينكره، رأيت الناس في حب لدين الحق تنشره.


    قراءة في كتاب "البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي" للدكتور فريد الأنصاري

    شاطر

    mohammed

    عدد المساهمات : 44
    تاريخ التسجيل : 03/11/2009

    قراءة في كتاب "البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي" للدكتور فريد الأنصاري

    مُساهمة من طرف mohammed في الثلاثاء ديسمبر 01, 2009 6:26 am

    بسم الله الرحمان الرحيم


    وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين

    أما بعد:

    إنه لمن الضروري تبني مبدأ( التثاقف) كمنهج ذا بعد اشتراكي على مستوى الخلجات الفكرية والآراء المعرفية ، يحقق نوعا من التلاقح البناء للأفكار والمكاسب المعرفية، ذالك أن الأفكار لا تكتسب مصداقيتها ولا ترتقي إلى مرتبة الثوابت إلا بالقدر الذي تتمكن فيه من الصمود أما تيارات التمحيص والنقد و(المناطحة) الحجاجية ومشرحة الواقع المعاش.
    ولعل المساهمة التي أضعها بين أيديكم تأتي في هذا السياق ، وهي عبارة عن حلقة من سلسلة وسمتها ب"قراءة في كتاب" أطرح فيها أهم القضايا والنقاط التي عالجها كاتب أو مفكر ما بعد شوط من السباحة بين دفتي كناب ، مردفا لذلك ببعض الآراء والمواقف الشخصية دون إخلال بالمضمون العام ، والله أسأل التوفيق والسداد وبه الاستعانة و عليه التكلان.

    أبدأ سلسلتي هذه بكتاب " البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي " لمؤلفه الدكتور فريد الأنصاري رحمة الله عليه.
    والدكتور من مواليد إقليم الرشدية جنوب شرق المغرب بواحة (أنيف) سنة 1960م ، حاصل على دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية ، تخصص أصول الفقه، تبوأ الفقيد العديد من الناصب العلمية منها رئاسة شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب ، جامعة المولى إسماعيل بمكناس حيث كان أستاذا لأصول الفقه ومقاصد الشريعة، ورئيسا لوحدة( الفتوى والمجتمع ومقاصد الشريعة) في قسم الدراسات العليا ، بالجامعة نفسها. ثم أستاذا لكرسي التفسير بالجامع الأعظم لمدينة مكناس، وله العديد من المؤلفات والدراسات العلمية.
    وكتابه هذا "البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي" يأتي في إطار الاستجابة للإسهام في معالجة الإشكال الحاصل في الميدان الدعوي :( علاقة السياسي بالدعوي)، في مشروع التجديد الإسلامي ، وهو يبحث بالخصوص عن موقع السياسة من مشروع التجديد الإسلامي .
    منطلقا من أرضية تفترض وجود انحراف في التعاطي مع مسألة السياسة وعلاقتها بالدين، سواء في الأوساط الإسلامية أو غيرها ، بين من جعل السياسة أصلا من أصول الدين- تصورا أو ممارسة- وبين من أنكر على الدين السياسة وفصلها عنه.
    وهو كتاب من الحجم المتوسط ، عدد صفحاته يناهز190 صفحة ، منشور ضمن منشورات "ألوان مغربية" مطبعة النجاح الجديدة ، الطبعة الأولى 1424-2003
    يتكون الكتاب من أربعة فصول تترتب بشكل منهجي لتصل إلى خلاصة تصب في خضم مشروعه العام الذي نذر نفسه لخدمته، ألا وهو المشروع القرآني ، داعيا الحركات الإسلامية وأبناء الصحوة المباركة إلى الرجوع إلى هذا المعين الذي لا ينضب على مر العصور. من أجل الاستنارة بنوره لحمل المشروع الإسلامي الأكبر على بينة ونور من الله.


    الفصل الأول : الحركة الإسلامية والبيان الدعوي

    بعد أن يشير في المقدمة إلى الظروف العامة التي استدعت خروج هذا الكتاب إلى الوجود، ينتقل في الفصل الأول منه إلى التعريج على مفهوم الحركة الإسلامية باعتبارها (بيانا وجوديا) بمعنى تعبير ما عن شيء ما، فالحركة الإسلامية تعبر عن وجودها بكل أشكال الفعل الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي ، مع تأكيده على عدم إمكانية تحديد تعريف جامع مانع لها ، فالحركة الإسلامية ظاهرة معقدة جدا.
    وفي هذا السياق نرى الدكتور يسوق عدة محاولات تأطير الحركة الإسلامية وإعطاء تعاريف ومقاربات لها على يد عدد من المفكرين، مع الإشارة إلى أن كثيرا من هؤلاء الباحثين إنما يدرسون التطرف والعنف باعتبارهما مرادفان لمعنى ( الحركة الإسلامية)
    - محمد سبيلا: يرجع الظاهرة إلى عامل حاسم هو الانفجار(الديموغرافي) باعتبار ما ينتج عنه من اختلال في التوازن الاجتماعي.
    - حسن أوريد: يشبه الحركة الإسلامية اليوم بظاهرة الفرق الإسلامية التي ظهرت على خلفية عصر الفتنة ويرى أن الأسباب التي حكمت ظهور تلك هي نفسها التي تحكم ظهور هذه.
    - برهان غليون: اعتبر أن الحركة الإسلامية هي امتداد لحركة المقاومة الوطنية، وأن الصراع الذي تخوضه اليوم هو صراع مع القوى العلمانية الفاسدة المتنفذة في دواليب السلطة
    - عبد الإله بلقزيز: يعتبر أن معظم التنظيمات التي تتبنى العنف السياسي في الوطن العربي هي تنظيمات إسلامية ، بسبب إمكانية قراءة النص الديني قراءة تشرع العنف فالنص الديني قابل للتأويل بما يلائم
    توجهات هذه الحركات.
    - فؤاد زكريا : يفسر الصحوة الإسلامية كنتيجة حتمية لحالة التخلف الذي تشهده البلاد العربية والإسلامية.
    - فرانسوا بوركان(باحث فرنسي) : يرى أن الحكة الإسلامية هي ظاهرة سياسية دينية نابعة من الظروف المحيطة بها أفرزتها أسباب طارئة.
    - ريتشارد هربر كمجيان(باحث أمريكي /سوري): حاول أن يربط الظاهرة بأصول الإسلام وطبيعته التجديدية.
    ليخلص الدكتور فريد الأنصاري إلى أن كل هذه التعاريف لا يمكن أن نعتمد عليها لأنها إنما تركز على جانب واحد دون الآخر ، وبالتالي لا يمكننا تحديد الفصول الجوهرية.
    فكما يمكن أن تتحكم هذه الأسباب في ظهور الحركة الإسلامية فإنها كذالك تدخل في جميع مناحي الحياة الأخرى ويمكن أن تكون سببا كذلك في ظهور ظواهر أخرى ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فقد لاحظ تغييب الدين كثوابت وكليات وأصول قطعية غير قابلة للتأويل ، من الدراسة والحال أن هذا الأمر هو الأولى بالدراسة في موضوع الحركة الإسلامية.
    والدكتور فريد إذ لا يوافق هذه الطروحات في ما ذهبت إليه ، فإنه لا يلغيها بشكل مطلق من حيث أن الحركة الإسلامية ظاهرة اجتماعية ، بشرية ، على درجة معينة.ليبدأ في طرح تصور-ضمن المبحث الثاني للفصل الأول المعنون ب(الطبيعة الدعوية للحركة الإسلامية) - اعتبره (مفتاحا) لفهم الظاهرة . ينطلق من منطلق عام يفترض أن الحركة الإسلامية هي نتاج تلقائي لطبيعة الدين الإسلامي ( الوجودية / التعبدية)، ولفهم الظاهرة وجب فهم أمرين أساسيين هما:
    *الإسلام دين (وجودي) بمعنى أنه يقدم تفسيرا خاصا للوجود مجيبا عن الأسئلة الوجودية الخالدة (من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟)
    *الإسلام دين (دعوي) بامتياز، بالمعنى الرسالي العقدي ، فالإسلام بطبيعته دين (حركي) غير (سكوني).
    وقد استفاض الدكتور في التدليل على صحة طرحه من خلال عرض العديد من الآيات والأحاديث التي تؤكد المعنى الذي ذهب إليه، معتمدا القاعدة الأصولية التي أوردها الشاطبي في كتاب "الموافقات" والتي تنص على انه (إذا تواتر(مفهوم ) معين تواترا كليا استقرائيا لا لفظيا فحسب ؛ كان (أصلا) من أصول الدين الاعتقادية أو العلمية و (كلية) من كلياته الاستقرائية وقاعدة من قواعده العامة.).
    فطبق القاعدة على مفهوم التجديد الديني والدعوة والجهاد ليخلص إلى أنها أصل من أصول الدين التعبدية التي تستفاد عن طريق الاستقراء.
    إن الحركات الإسلامية وظاهرة التجديد الديني، من هذا المنظور، ليست وليدة اليوم فحسب بل هي سلسلة ممتدة عبر التاريخ الإسلامي؛ وأن الرصيد الديني الذي كانت تتغذى عليه الحركات الإصلاحية عبر التاريخ هو نفسه الذي ما يزال مصدر التغذية للحركات المعاصرة،على اعتبار أنها امتداد – على مستوى الوجدان المشكل لجوهرها – (لإصلاحية) جيل الصحابة ، ثم جيل التابعين وتابعيهم.
    وقد انتقد الدكتور التفسيرات التي أعطيت للحركة الإسلامية بعيدا عن سياقها العام وبعيدا عن مفهوم وطبيعة الدين الإسلامي واتهمهم بأنهم يحاولون التعمق فيما لا عمق له، مؤكدا على أن التعاطي مع الدين الإسلامي بمنظار غربي انطلاقا من كلمة (Religion) لا يمكن أن يقاس عليه لأن طبيعة الدين الإسلامي هي طبيعة حركية متجددة في حين أن المفهوم الغربي لا يخلو من القتامة الكنسية بسبب الممارسات التريخية للدين هناك.
    ولكن ومع تأكيد الدكتور على كون الحركة الإسلامية إنما جاءت كاستجابة فطرية للحاجة المجتمعية للتدين فإنه لا يبرئها من كونها، إلى جانب هذا الأمر، رشحت كردة فعل عن محاولة إقصاء الدين من الحياة أو تجاهل تعاليمه من طرف من بيدهم القرار؛ هذا الحرمان الذي أدى كذلك إلى ظهور حركات إسلامية أخرى متشنجة وغالية .
    وقد عبر عن ذلك بقوله ( يمكن الآن أن نقول : إن الحركة الإسلامية باختصار هي رغبة طبيعية في التدين أولا ، كما جاءت به أصول الإسلام، لكن مع شيء من الإحساس –ثانيا- بالحرمان).


    [center]الفصل الثاني: الأحكام السياسية في مراتب التشريع الإسلامي.


    وفي هذا الفصل يتضح المنهجي التأصيلي الذي اتبعه الدكتور فريد الأنصاري بصدد مفهوم (السياسة) وما يدور في فلكه ك(الدولة ) و(الحكم) مؤكدا على أنها مصطلحات ذات مدلولات حديثة في الفكر السياسي المعاصر تختلف تماما عن مدلولاتها في القديم وبالتالي فمفهوم ( الدولة الإسلامية) سيكون مختلفا ولذلك نلاحظ اختلافا في التعاطي مع هذا المفهوم من لذن الفاعلين في الحقل الدعوي بين من يراها غاية ومن يراها وسيلة ومن يراها مجرد نتاج.
    إن الإشكال (السياسي) بالمعنى الحديث للكلمة هو محل النزاع ؛ ولرفع اللبس وجلاء الموضوع وجب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية لنتمكن من معرفة موقع الأحكام السياسية منها.
    وكعادة الدكتور فإنه يبدأ أي نقاش له بوضع قواعد عامة تأطر مجال تحليله ، وتكون بمثابة مرجع للمتتبع إذا ما استشكل عليه أمر ما. فيقرر بأنه ما كان من أصول الدين الاعتقادية والعملية، إنما يكون أصل تشريعه في القرآن، ولا يترك للسنة إلا ما كان من قبيل البيان والتفصيل من توضيح الهيآت وبيان الكيفيات.
    مع العلم بأن مراتب التشريع تتدرج من القرآن ثم السنة ثم الإجماع. فما المرتبة التشريعية للأحكام السياسية؟
    للإجابة على هذا السؤال يبدأ –أولا- بتحديد مفهوم الأحكام السياسية، حيث اعتبرها بأنها كل التشريعات المتعلقة بتدبير الشؤون العامة للدولة على المستوى الدستوري والإداري والتنفيذي ، وهي بهذا المعنى ما عبر عنه الماوردي ب(الأحكام السلطانية) أو (السياسة الشرعية) بتعبير إبن تيمية ، والأحكام السياسية بهذا المعنى لم تنل من التشريع الإسلامي –في الغالب- إلا المرتبة الثالثة (أي الإجماع) بينما أغلب القوانين التشريعية التي هي مادة بناء الدولة موجودة في القرآن والسنة والاجتهاد ، مجملة ومفصلة ، أي البنية التحتية للدولة كما يسميها الدكتور فريد الأنصاري. وهو ما عنت به كتب الفقه الضخمة .
    فالإسلام وضع الإطار العام لقيام الدولة –بمعناها الشامل- إلا بابا واحدا ووحيدا : هو باب الإمامة الكبرى وأحكامها الأصلية ، المتعلقة بمنصب الخليفة ومؤسسة الخلافة وهيكلة الدولة وشكل السلطة وهو ما يسمى اليوم (بالقانون الدستوري).
    وأشار الدكتور إلى أن التأليف في هذا الباب لم يعرف طريقه للوجود إلا بعد عصور الاجتهاد وبداية عصور التقليد على الحياة الإسلامية على حد تعبير الدكتور يوسف القرضاوي.
    وقد استعرض مجموعة من المؤلفات (مع أسماء مؤلفيها وتاريخ وفاتهم) التي اهتمت بهذا الجانب.
    والسؤال المطروح الآن هو لماذا هذا الغياب التشريعي لهذا الأمر الذي دارت من اجله حروب ولا زالت حتى الآن؟
    وفي معرض جوابه على هذا التساؤل نجده يتعرض للآيتين التاليتين بالشرح والتفسير مستبعدا أن تكونا محددتين لأصول هذا الأمر (الخلافة الكبرى)
    قوله تعالى في سورة آل عمران (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وقوله في سورة الشورى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) باعتبار أنهما ليستا (نصا) على الشورى بالمعنى السياسي إطلاقا ( ويقصد بكلمة (نصا) المعنى الأصولي، أي العبارة الدالة على معنى واحد لا يقبل التأويل) إن عدم التنصيص على أمر الخلافة والولاية بنصوص قطعية من الكتاب والسنة هو أمر مقصود وهو تشريع في حد ذاته. ذلك أنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية ما يسميه القانونيون بالفراغ التشريعي، بل أن هذا الأمر يسمى عند الأصوليين ب(المسكوت عنه) وله حكمه كما سنرى إن شاء الله.
    وهنا يرد على من ادعى أن الخلافة أصل من أصول الدين. فمعلوم أن ما يستشهد به البعض من السنة على صحة ما ذهب إليه إنما هو من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة أومن أحاديث الفتن، والحال أن أحاديث الفتن في أغلبها أخبار لا إنشاءات بالمعنى البلاغي. والأحكام القرآنية تؤخذ من( الإنشاء) لا من (الخبر) بالمعنى المذكور.
    وأورد أشهر ما يعتمد عليه في هذا الباب من لذن بعض الإسلاميين لإثبات صحة توجههم وهو الحديث النبوي الذي رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 5 (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت)
    وأردفه بخمس حجج تبين خطأ ما ذهبوا إليه وهي كالتالي:
    - أنه من أحاديث الفتن لا من نصوص التشريع
    - تنزيل هذا الحديث أو ما يسمى ب(تحقيق المناط) هو من محض الاجتهاد وليس من نص الحديث، فأي الأنظمة مقصود من الحديث وفي أي العصور هو؟.
    - أن (الدلالة العبارية) تدل على أن كلا من الملك العاض والجبري داخل في مفهوم (الخلافة) لكن لا على منهج النبوة.- الخلافة تجربة بشرية غير معصومة.
    - أن بعض أحاديث الفتن قد أتبع بملاحق إنشائية تأمر بالسمع والطاعة لخلافة الملك العاض والجبري ولم يرد أمر بالعصيان إلا قليلا.
    ثم إنه لايوجد في الأحاديث التي وردت في هذا الباب ما يدعو إلى الثورة أو التغيير الثوري الذي تنهجه بعض التيارات.
    وقد أورد أحاديث كثيرة صحيحة تؤكد على ضرورة السمع والطاعة وحتى إن كان الإمام فاسقا أو ضالا ما لم يبد كفرا بواحا .
    وختم مرافعته هذه بتقديم توجيه عام ينص على أن الفاصل في اختيار التوجه السياسي لحركة تتبنى الخيار الإسلامي هو جمع كل الأحاديث التي وردت في هذا الباب، سواء التي توافق التوجه أو تلك التي لا توافقه ، وإعمال العقل والاجتهاد لكي لا يقع الزلل والميل.
    وبعد هذه الجولة التقويمية النقدية –إن صح التعبير- يعود الدكتور إلى التأصيل الشرعي ومحاكمة الأفكار والمواقف إلى الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، وبغية الحصول على الجواب الشافي للسؤال المطروح آنفا(سبب غياب نص مانع قاطع يرجع إليه في المسألة؟).
    إن أحكام القانون الدستوري غائبة من النصوص القرآنية والحديثية ، إلا قليلا! و أعلا هذه الأحكام تنصيب الخليفة، فقد بحث الفقهاء عن نص يكون صالحا ليعتمد في هذا المجال فلم يجدوه .
    لكن –وكما سبق الإشارة إلى ذلك- فأن عدم التشريع في هذا السياق تشريع! وذلك كما يلي:
    *أقوى أدلة تنصيب الخليفة هو الإجماع! والإجماع يفيد القطع كما هو معلوم في الأصول.
    *رد الأمر كله إلى الاجتهاد فترك للمسلمين حرية الاختيار بما يناسب ظروفهم، وطلب الرياسة أمر مجبول عليه الإنسان بدليل الاستقراء التاريخي والمشاهدة، ومن هنا أحيل تنصيب الخليفة على الاجتهاد
    *من أهم معاني (السكوت الشرعي)عن الأمر عدم اعتباره من الأصول الدينية العقدية ، ولا التعبدية ، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة وغيرهم من الفرق ، وإنما شذ عن هذا الشيعة وحدهم.
    إن (سكوت الشرع) عن الأمر يفيد أحد أمرين: إما تركه على مقتضى الإباحة والبراءة الأصلية ، وإما إحالته على الاجتهاد الشرعي.
    ولا ينسى الدكتور فريد- في ختام مبحثه التـأصيلي هذا- أن يرفع اللبس الذي قد يعتري أذهان من تفاعلوا مع أفكاره فيما يخص الدولة الإسلامية بقوله: قيام الدولة الإسلامية مطلب شرعي ضروري لتحقيق مناطات الأحكام الشرعية المتعلقة بالمؤسسات كالقضاء والجهاد والحسبة، وحماية التدين العام في المجتمع ومن يقول بفصل الدين عن الدولة جاهل بالدين وجاهل بالدولة معا!ليخلص في نهاية الفصل إلى استنتاجات ينصح بها شباب الدعوة بصفة عامة وهي:
    أن تمام العمل الدعوي ونجاحه رهين بضبط ما يمكن تسميته ( بأصول الفقه السياسي) ، ومتوقف على حسن توظيف كلياته وقواعده في تنزيل أحكام الدعوة الإسلامية المعاصرة، في النفس وفي المجتمع، سواء كان ذلك على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. من هنا وجب التفريق بين (البرنامج السياسي) و (أصول الفقه السياسي). فالأول فقه جزئي تطبيقي ، والثاني كليات وقواعد. بمعنى أن (البرنامج السياسي) ما هو إلا عنصر جزئي من عناصر (أصول الفقه السياسي)


    الفصل الثالث: الاجتهاد السياسي الإسلامي والنفسية الصدامية لدى الحركات الإسلامية



    في هذا الفصل يعتمد مبدأ المقارنة كمنهج للتحليل من أجل جلاء الفروق الدقيقة بين مفهوم الفقه الإسلامي في القديم وما يحمله من دلالة في الوقت المعاصر.1) في الفقه الإسلامي القديم:
    لم يتفق الفقهاء المسلمون على شيء في المسألة السياسية عدا حكم (وجوب) تنصيب الخليفة ، الثابت عندهم بالإجماع كما رأيت، واختلفوا فيما دون ذلك اختلافا شديدا لما للموضوع من طبيعة اجتهادية لا نص فيها من ناحية ، ولما للمسألة (السياسية) من حساسية عصبية من جهة أخرى.
    ولبيان ذلك فقد أورد أبرز القضايا السياسية التي هي مدار الفكر السياسي لدى الفقهاء قديما وحديثا وعلل الاختلاف بين الفقهاء.
    أولا: اختلفوا في أصل مسلك بيعة الخليفة أو السلطان : فذهب بض القوم إلى انه بالنص؛ وهم الشيعة في شأن علي وبعض أهل السنة في شأن أبي بكر الصديق.
    وذهب قوم إلى أنه بالشورى بين أهل الحل والعقد ؛ وذهب آخرون إلى أنه بعهد الإمام على سبيل الوصية والتعيين.
    ثانيا: أن فقه السياسة الشرعية –من حيث هو فقه الأحكام الدستورية والإدارية للدولة- كان في أغلبه مستقى من التجربة التاريخية للخلافة الإسلامية.
    وهكذا صار الفقه السياسي الإسلامي يقوم على تأصيل الأحكام بناء على عمومات الكتاب والسنة ومجملاتهما، وبناء على النوازل السياسية التي كان للخلفاء الراشدين فيها اجتهاد ، حتى إن ولاية العهد تطورت من إطلاقها الذي تركها عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاية( أسرية) مع بني أمية فبني العباس ولم يثر ضد ذلك أحد من العلماء ولا أثر على أحد من أئمة المذاهب إنكاره.
    لقد ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن تنصيب الخليفة يكون بالعهد والشورى.
    - إمام الحرمين الجويني: أنكر مسألة النص على الشيعة وبعض من أهل السنة. وفي المقابل قطع بشرعية العهد (عهد أبي بكر لعمر) كما أنه يرى أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمام بالإجماع ؛ إلا أنه مع ذلك يرى أن الأمر يحصل إذا تحقق مبلغ من الأنصار تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة قاهرة، فإذا تأطدت البيعة بالشوكة والعدد والعُدد(...) فإذ ذاك تثبت الإمامة ( وهو نفس المفهوم الديمقراطي الحديث).
    بل لقد صار الفقه إلى أن (الملك) جزء من معنى (الخلافة) وإن لم يجمع كل خصائصها.
    - الإمام أبي الحسن محمد بن يوسف العامري ت381ﮪ : يقول : فمن الواجب أن تعلم يقينا أن صناعة الملك والسياسة ، مهما استعملت استعمالا حسنا ، فإن المعتنق لها والمستقل بأعبائها يصير لا محالة مجتلبا لشرف الإمامة ويصير خليفة لله -تعالى جده- في استصلاح الخليقة ، ومهما استعملت استعمالا رديئا فإن صاحبها والمفتخر بحيازتها، يبتلى من الضرورة بصفة المتغلبين، ويعد بقاؤه فضيحة لزمانه!
    - أبو بكر بن العربي المعافري ت543ﮪ : فرق تفريقا لطيفا بين الخلافة والملك من غير ذم لأحدهما.
    - الإمام القرافي فقيه المالكية في عصره ت684ﮪ : يقول: ويعقدها الإمام لمن يريد (ولاية العهد) فيكون إماما للمسلمين بعده كما فعل الصديق رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    -ابن تيمية: شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا ، وأن ذلك لا ينافي العدالة ، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل.
    - ابن خلدون: لما تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا (...) فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا ويكون من توابعهما.
    وقوله أيضا: واعلم ا،الشرع لم يذم الملك لذاته ، ولا حظر القيام به وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه، من القهر والظلم والتمتع باللذات.

    2) في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر:
    تفرق الإسلاميون أحزابا ومذاهب كما تفرق الذين من قبل في أمر الحكم؛ فمن كافر بالديمقراطية كنظام للحكم إلى مؤمن بها إيمانه بالشورى القرآنية؛ ثم إلى مؤمن بها كأداة –فقط- من أدوات الشورى لا ككل الشورى؛ فإلى مستعمل لها على أنها من إكراهات الواقع ومخلفات الجاهلية التي يجب تجاوزها.
    - أبو الأعلى المودودي: ممن صاغوا نظرية متكاملة في الرفض الإسلامي ، كان فكره السياسي مؤطرا بمفهوم (الجاهلية) بدلالته الجديدة ،عنده، المتفلتتة من الحصر التاريخي. إذ أنتج مصطلح (الحاكمية) كعلة للقياس لتصنيف النظم في المجال السياسي و التشريعي.
    - السيد قطب: تابعه في هذا التصور.
    إن هذه المدرسة ترفض الديمقراطية شكلا ومضمونا من حيث إنها قائمة على معنى تشريعي يتناقض مع مفهوم( الحاكمية) كما فهماها. والملاحظ ،حسب الدكتور الأنصاري، أنه قد تم الجمع في هذا الطرح بين ما هو تشريعي قضائي وما هو سياسي سلطوي في مفهوم (التوحيد).
    ولقد حاول الدكتور يوسف القرضاوي أن يرفع هذا الإشكال بنوع من التوفيق بين ما قاله هذان العالمان وبين ما جاء في الفكر الأصولي الفقهي القديم من مباحث حول (الحكم الشرعي) وما يتعلق فيه ب(الحاكم) إلا أنه لم يستطع تجنب المطب الذي وقعا فيه .
    والإشكال -من منظور الأنصاري- يقع في دلالة اللفظ على سبيل الإشتراك على معنيين:
    *الحاكم بمعنى الشارع وهذا هو الذي بحثه الأصوليون قديما
    * والحاكم بمعنى رئيس الدولة أو الخليفة أو الإمام وهذا مبحث سياسي ، لا علاقة له بأصول الفقه!
    ولكن إلى جانب هذا فقد غالى قوم آخرون في إنكار (الحاكمية) الإلهية حتى بالمعنى التشريعي –مستغلين غلو بعض الإسلاميين- فأنكروا بذلك حقا عظيما من حقوق الرب عز وجل وخاصية كبرى من خصائص الربوبية فعلا.
    والحق وسط بين الغلي فيه والراغب عنه ، بين تجهيل من لم يحكم بما أنزل الله وتكفيره بإطلاق وبين إنكار الحكم بما أنزل الله بإطلاق.
    - حسن الترابي : أصل لمفهوم الديمقراطية باعتبارها عين الشورى الإسلامية بل لقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، إلى محاولة إثبات أن الديمقراطية هي امتداد للشورى
    - الأستاذ راشد الغنوشي : سار على دربه
    - عبد السلام ياسين : يرفض الديمقراطية كأسلوب للحكم السياسي في مواقف ويجيزها بشروط في موقع آخر من كتابه (الشورى والديمقراطية).
    وقد كانت له وقفة مع هذا الأخير في ما يخص تصحيح بعض المغالطات التي أوردها في كتابه (نظرات في الفقه والتاريخ ) مقللا من شأن ما أورده واصفا له بالسطحية المخلة بمقاصد الشريعة، ذلك أنه فهم مصطلح (الحفظ)- الذي أورده الشاطبي في الموافقات في ما يخص (حفظ الكليات الخمس)- فهما غربيا له مدلول سياسي محض، والذي هو راجع إلى توصيف (إيديولوجي)، وتقسيم (طبقي) (مانوي) يقسم المجتمع إلى (محافظين) و(ثوريين). وكذا مصطلح (الحكم) حيث فهمه بدلالته السياسية المحدثة والحال أن العرب لم تعرف ذلك في لغتها قط كما لم يعرفه التشريع الإسلامي في اصطلاحه. أما مصطلح (القومة)، الذي حاول أن يلوي أعناق الآيات حتى تناسب ما ذهب إليه، فإنه مصطلح ناتج التاريخ السياسي، لا النص الشرعي.
    تلك جولة سريعة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر؛ تبينا منها مدى (الاجتهادية) الغالبة عليه، الراجعة إلى استصلاح العرف والقوانين الدستورية، بل (الأرأيتية) الاحتمالية التي تبدوا عليه في تعامله مع المسألة السياسية عامة. والمسألة الديمقراطية خاصة.
    هكذا إذن تبدو المسألة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر: من النقيض إلى النقيض تماما!
    بعد هذه الجولة يعود الدكتور فريد الأنصاري –في سياق تشخيصه للمرض- إلى نفسية الصدام السياسي التي طبعت عمل العديد من التنظيمات الإسلامية المعاصرة التي جرفت مع التيار العام (لتعب خارج الحلبة)، ويتساءل قائلا: إذا كان الدين –من حيث هو نصوص وتشريع- لا يعير العمل السياسي في إطار التعبد –وإنما الدين تعبد- إلا هامشا تبعيا غير أصيل؛ فكيف (تسيس)العمل الإسلامي المعاصر في كثير من صوره؛ حتى كانت له ردود أفعال ذات طابع عنيف، على شاكلة (العنف الثوري) الوارد في الأدبيات الماركسية؟
    الاستشكال الذي يطرحه في هذا التساؤل مبني كون العمل السياسي يصبح هدفا وغاية في حد ذاته، فعندما يصبح (الموقف السياسي) –وإنما هو اجتهاد محض كما قررناه- هو المقياس الذي عليه يصنف مستوى التدين، لدى هذه الحركة الإسلامية أو تلك، يكون ذلك دالا بالقطع على (الانحراف) عن المعنى الإسلامي للدين و التدين وله في هذا قولة مشهورة (الموقف السياسي يقود إلى الصلاة! والصلاة تقود إلى الموقف السياسي!) كمعنى قدحي يصف به الحالة المزرية التي آلت إليها بعض التنظيمات الغالية في الدين.
    ويرى الدكتور أن الصدام السياسي الذي يطبع عمل بعض الحركات الإسلامية إن هو إلا (نفسية) معينة، تكونت في ظروف ما. وليصف هذه الظاهرة يستعمل مصطلح (الغلو) بدل (التطرف) لأنها عبارة إسلامية من جهة، ولدقتها وبراءتها من جهة أخرى.
    إذن فالغلو كظاهرة دينية له أسباب وخصوصيات ومكونات متداخلة ومعقدة جدا؛ وإنه لمن الكسل الفكري، أن تفسر تفسيرات اقتصادية أو ديموغرافية أو سياسية محضة. كما أنه من التبسيط والتسطيح ، أن يتم الخلط بينه وبين (حركة التدين) الدعوية العامة في المجتمع، كما أنه من الخطأ أيضا الفصل بينهما على سبيل القطيعة (الإبستيمولوجية) التامة.
    ليبدأ في البحث عن العلل المنشئة للغلو دون أن ينسى التأكيد على أن ( الغلو في الدين) يرجع في (قابليته الوجودية) للطبيعة الوجدانية للدين أولا.

    1) نفسية رد الفعل على تأسيس الدولة العبرية بفلسطين ثم الهزائم العسكرية للدول العربية في مواجهتها. وكان أبرزها أثرا هزيمة 1967 ثم إحراق المسجد الأقصى1969
    2) الظلم السياسي الدموي الذي مارسته الأنظمة الحاكمة المستبدة على الدعاة في معالجة قضية الحركات الإسلامية ببعض البلاد العربية بدءا باغتيال الشهيد حسن البنا، وإعدام الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة ورفاقه المجاهدين، ثم إعدام الأستاذ المفسر الشهيد سيد قطب رحمهم الله جميعا.
    3) ظلم النظام العالمي (الأمريكي) للشعوب الإسلامية خاصة بعد أحداث نيويورك الشهيرة: (11شتنبر2002م)
    4) رد الفعل المنافس للمد المركسي.
    5) التأثر بالفكر الشيعي (الثورة الإيرانية 1979 أولا، وحزب الله اللبناني فيما بعد).
    6) التأثر بالجهاد الأفغاني.
    7) تدهور الوضعية الاجتماعية.
    8) الجهل بالإسلام وغياب التوجيه الفقهي للحركات الإسلامية.

    الفصل الرابع: نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية لماذا؟ وكيف؟


    من خلال هذا الفصل سوف يغوص بنا الدكتور في أعماق القرآن الكريم من أجل الظفر بجواهر لايتسنى إلا للقليل –ومن بينهم فريد الأنصاري- الحصول عليها.
    وقد طالب الحركة الإسلامي بالعودة إلى الطبيعة القرآنية للدعوة الإسلامية ، من أجل تلبية الحاجات الدعوية للبلاد والعباد على اعتبار أن بؤرة الصراع الحقيقي ، ليس هو ما استدرجت إلي الحركة الإسلامية (المواجهة السياسية)، وإنما هو (تدين المجتمع) بما لكلمة (مجتمع) من معنى شمولي بشريا ومؤسسيا. مع الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
    - أن تجديد الدين الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو راجع إلى تجديد الوجدان الديني لدى المسلمين أكثر مما هو راجع إلى تجديد قضاياه، وإن كان شيء من ذلك قد يكون مقصودا بالتبع
    - (البعثة) الدينية تضطلع بوظيفتين كبيرتين: وظيفة مفهومية وأخرى وجدانية.
    - الإسلام دين (وجودي) بالدرج الأولى، أي منحيث هو متعلق بتفسير موقع الإنسان من الوجود ودوره فيه ثم مآله الذي هو آيل إليه.
    وهذا كله مستفاد من القرآن الكريم الذي إنما جاء –حسب الدكتور- لأمرين أساسيين:
    *الأول: تفسير معضلة الوجود، وموقع الإنسان منها
    *الثاني: بيان الوظيفة المنوطة بالإنسان من حيث أذن له أن يكون عنصرا من هذا الوجود
    وينطلق الدكتور إلى الجزم بأن المشكل الحقيقي الذي تعاني منه الأمة هو مشكل استشعار حقيقة مفهوم الربوبية بكل ما تقتضيه من ألوهية وإن هذا لهو المعنى الذي يجب على الداعي أن يقوم (بتحسيسه) للناس (وتذويقهم) إياه حتى يتحركوا في السير إلى الله طائعين كما هم سائرون إليه تعالى (كارهين)
    من هذا المنطلق يدعو الدكتور إلى تأميم الدعوة إلى الله والخروج من براثين الحزبية الديقة، على أساس أن الدعوة تكون لله لا إلى الأحزاب والهيآت.
    ف(التنظيم) –بمعناه الإداري- للعمل الدعوي وأصحابه ضرورة من ضرورات كل عمل يريد أن يشتغل في المجتمع. لكن من تلبيس إبليس على بعض الدعاة المنتمين إلى جماعات منظمة هو أنهم صاروا –من حيث يدرون أو لا يدرون- يدعون إلى الانخراط في عمهم التنظيمي على أنه دعوة إلى الله!
    مما أذى إلى انحصار العمل الإسلامي –من حيث أرادوا توسعته- في دائرة الذين لديهم استعداد تنظيمي من الناس، وقليل ما هم.

    الإسلام ليس بحاجة إلى رص الناس كل الناس في تظيم معين وليس معنى هذا أنه يقول ببدعة التنظيم أو تحريمه. فكلما ازداد الوسط المتدين اتساعا، ازدادت الإسلامية التي هي غاية (الحركات الإسلامية) في البلاد تمكنا واتساعا.
    وفي هذا المبحث يجدد الدكتور النداء إلى العودة إلى القرآن الكريم –بكل ما تحمل كلمة (عودة) من معنى- وحمله رفيقا في طريق الدعوة إلى الله، ففيه إجابة السائل، وإرشاد الضال، وطمأنينة المفزوع، وهداية الحيران...ولا معنى لعمل دعوي راشد بمعزل عن كتاب الله عز وجل، مثلا لذلك بنمادج من الجيل القرآني الفريد الذين تربوا على مائدة القرآن في مدرسة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
    خاتمة:

    وفي الختام يشير الدكتور إلى أهم النقاط التي عمل على ترسيخها خلال هذا العمل وهي كالتالي:
    أولا: العمل السياسي ليس أصلا من أصول الدين ولا التدين، وليس هو –بناء على ذلك- أصلا من أصول الدعوة، وإنما هو وسيلة تابعة، وفرع خادم وآلة استبصار مهمة، بل ضرورية لتحقيق مناطات العمل الدعوي.
    ثانيا: الحركة الإسلامية، في كثير من أحوالها، تأثرت في فهمها للنصوص؛ (بإكراهات) الظروف التاريخية والسياسية والأيديولوجية السائدة في بيئتها وزمانها
    ثالثا: الأزمة الحاصلة في المجتمعات الإسلامية رغم تعدد تجلياتها واختلاف مظاهرها إنما هي أزمة (أمانة).
    رابعا: إن منطق الحل كامن في الشجاعة والجرأة على قبول النقد الموضوعي، وممارسة مبدأ المحاسبة الإسلامي (النقد الذاتي).
    خامسا: أصول تجديد الدين الذي هو غاية كل مشروع إسلامي من حيث هو مشروع (اجتماعي) –بالمعنى الشمولي للكلمة- قائمة على القضايا الثلاث المفصلة قبل:

    -أ- تحرير مفهوم (الدعوة إلى الله) مما شابه من دسائس شركية خفية، وإخلاص الوجهة فيه إلى الله.
    -ب- تجديد الوعي برسالية القرآن الكريم كخطاب إلهي لكل الناس بشكل فردي وجماعي.
    -ج- احترام مراتب الأولويات في المنهاج الدعوي كما هي مرتبة في التشريع الإسلامي وذلك بطلب القرآن قبل السلطان، والعمل للدين قبل الدول، وعدم الافتتان بالوسائل عن الغايات.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 249
    تاريخ التسجيل : 17/10/2009

    رد: قراءة في كتاب "البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي" للدكتور فريد الأنصاري

    مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 05, 2009 10:58 am

    أولا أحب أن أعلمك أخي أن ادارة المنتدى رأت-بعد اذنك طبعا-أنه من الأفضل نقل موضوعك قراءة في كتاب البيان الدعوي و التضخم السياسي للدكتور فريد الأنصاري، من المنتدى الاسلامي الى المنتدى الثقافي،بعد أن أنشأت فيه ركن قراءة في كتاب
    و هي فكرة استقتها من مقالك هذا،و الذي أوردت فيه أن المدرج هنا ليس سوى حلقة من سلسلة لقراءات في كتب أخرى ان شاء الله، نسأل العلي القدير أن يوفقك لهذا،و يجعله في ميزان حسناتك.

    أما فيما يخص مقالك،فأحييك أخي بشدة على الاختيار المميز
    صدقا كتاب رائع لأستاذ و دكتور عظيم
    استفدت الكثير من مساهمتك،التي أجابت صراحة عن عدد من الأسئلة التي حملتها داخل رأسي طويلا بلا جواب،فألف شكر على ما قدمته
    لكنها في نفس الآن ذكرتني بسؤال كنت قد تناسيته،بعد عجزي عن ايجاد أي جواب مقنع له
    و رأيت أن أطرحه هنا ،لما رأيت أن الدكتور قد تطرق اليه،ولو أني لم أعثر من خلال ما أدرجته على رأي الدكتور في هذا الأمر
    حيث وجدت هنا
    فرق الإسلاميون أحزابا ومذاهب كما تفرق الذين من قبل
    في أمر الحكم؛ فمن كافر بالديمقراطية كنظام للحكم إلى مؤمن بها إيمانه
    بالشورى القرآنية؛ ثم إلى مؤمن بها كأداة –فقط- من أدوات الشورى لا ككل
    الشورى؛ فإلى مستعمل لها على أنها من إكراهات الواقع ومخلفات الجاهلية
    التي يجب تجاوزها.

    و سؤالي
    هل تصب الديمقراطية فعلا في نفس معنى الشورى كما يرى البعض؟؟؟
    أم أنهما متناقضتان تماما كما يرى البعض الآخر؟؟؟

    ربما الديمقراطية من حيث اختيار الشعب ممثلين له عن طريق الانتخابات،لا تتصادم مع مبدأ الشورى في الاسلام
    لكنها من حيث حكم الشعب نفسه بنفسه قد تعني بطريقة أن الشعب هو مصدر التشريع الوحيد،فلا مكان لسلطة الهية أو قانون الهي اذا خالف ما جاء فيه رأي الأغلبية
    اذ هي في نفس الوقت تمثل صوت الجماهير،صوت الأغلبية حتى و لو كانت هذه الأغلبية بعيدة عن الدين،في زمن بات فيه أتباع النهج الاسلامي الحق قلة،ومهما كانت اختياراتها فلا بد من الرضوخ اليها لأننا اخترنا نهج الديمقراطية و لا ينبغي أن نتراجع ان لم ترقنا النتائج،فاستفتاء ديمقراطي ينتهي بالصويت بغلق دور القرآن مثلا حكم ثابت باغلاقها،و استفتاء ديمقراطي من نوع آخر ينتهي بالتصويت لنزع الحجاب حكم لا يحق لمن قبلوا للديمقراطية بأن تسودهم رفضه

    و هنا يبدو أن الديمقراطية تهتم بالاصلاح الدنيوي المحض بمنظور الأغلبية

    أنا هنا لا أعيب الديمقراطية لأنها غربية النشأة كون الحديث عنها بدأ منذ الحقبة اليونانية،لأني على اقتناع بأن الاسلام يرحب بكل ما فيه نفع المسلمين و صلاحهم أيا كان مصدره،ولكني أعيبها لأني أجدها واسعة لا مكان فيها لخطوط حمراء لا ينبغي أن تتجاوزها حرية التعبير عن الرأي

    و لا أرفض هنا الديمقراطية و لكني أقول أنه يجب على ممارسيها أن يستحضروا انسانية الانسان و علاقته بربه
    حتى لا يكون ضررها أكثر من نفعها

    أما الشورى فهي نظام اسلامي وسنة نبوية حكيمة بل لعلها فريضة الهية قبل أن تكون مجرد حق من حقوق الانسان كما هو حال الديمقراطية، الهدف منها محاربة الاستبداد بالرأي فيلجأ صاحب الأمر مهما علا شأنه الى من يشاركونه في أخذ القرار و تدبير الأمور للأخذ برأيهم في كل الأمور بصغيرها و كبيرها،سواء تعلق الأمر بالأسرة أو مؤسسة ما أو الدولة عامة أو غيرها

    و المصدر في التشريع بالنسبة للشورى هو الدين الاسلامي و بالتالي هو الله عز وجل و لا أحد غيره،و لا يملك الانسان الا الاستنباط من نصوص الشريعة الالهية و قواعدها و أصولهاو مبادئها،و البناء عليها في تنظيم حياته و تقنينها

    و الأساس في مبدأ الشورى هو استخراج الرأي الأصلح الذي تتفق عليه الجماعة،وهي بهذا الاعتبار لا تتناقض تماما مع الديمقراطية،لكنها تختلف عنها في الاستحضار الدائم لموافقة هذا الرأي لما جاء به التشريع الالهي

    و بالتالي فان الشورى تهتم بصلاح دنيا الفرد و سعادة الآخرة

    كل ما أدرجته هنا هو أفكاري الشخصية لا غير،لأني بصراحة لست على علم بأي رأي لمصدر موثوق به في هذا الموضوع
    أتمنى أن أستفيد من آراء أخرى بالموضوع
    أو تصحيح لأخطاء ربما بفكرتي

    تحية أخي مجددا على الموضوع المميز


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يونيو 27, 2017 9:38 am