التجديد الطلابي كلية العلوم فاس

هيا يا شباب الجيل للاسلام نظهره، بأجمل حلة حتى يشد الناس منظره، فاذا انشد للاسلام من كان ينكره، رأيت الناس في حب لدين الحق تنشره.


    بين الشورى والديمقراطية

    شاطر

    mohammed

    عدد المساهمات : 44
    تاريخ التسجيل : 03/11/2009

    بين الشورى والديمقراطية

    مُساهمة من طرف mohammed في الأربعاء ديسمبر 23, 2009 4:23 am

    بين الشورى والديمقراطية

    بسم الله الرحمان الرحيم

    والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته وسار على دربه إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    لك أختي جزيل الشكر على الاهتمام الذي أبديته بخصوص الموضوع المطروح، واعتذر عن التأخر في الرد لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية.
    لقد أصبت بسؤالك هذا بيت القصيد ومربط الفرس. ومدار الجدل والنزاع بين مختلف مكونات الحقل الإسلامي في العالم أجمع.
    ولا أدعي أني سأجيب عن تساؤلك –وما كان لي أن أدعيه وأحجم عنه كبار المفكرين- وإنما سأدلي بدلوي في الموضوع حسب ما اتضح لي في المرحلة الراهنة من خلال ما استطعت الوقوف عليه من مراجع وأفكار.
    وفي الوقت عينه لا أقلل من شأن ما تفضلت به، فصعوبة الحسم في الأمر ناتج عن صعوبة تحديد مفهوم أو تعريف دقيق للديمقراطية على مستوى التصورات ويزداد الأمر تعقيدا حين يرتبط بمستوى الممارسات، وهدا ما دعا العديد من الإسلاميين، من باب العمل بالأحوط، إلى الدعوة إلى التخلي عن الديمقراطية لأنها إنما ترعى الحمى توشك أن تقع فيها –حسب تصورهم- ومن باب من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.
    في البداية أود أن أشير إلى موقف الدكتور فريد الأنصاري من خلال كتابه محل النقاش، من مسألة الديمقراطية.
    إن كتابه "البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي" هو عبارة عن دراسة منهجية تستدعي كل المواقف والأفكار لا ليرجح أحدها على الآخر ، وإنما ليحاكمها إلى شرع الله.
    فلم تكن غاية الدكتور إعطاء مواقف وآراء شخصية في القضايا والمفاهيم المتنازع حولها (السياسة ، الديمقراطية، الشورى...) بقدر ما كان هدفه تقديم تأصيل شرعي لها لكي يتبين موقعها من التشريع الإسلامي كمساهمة في معالجة الإشكال الحاصل في الميدان الدعوي (علاقة السياسي بالدعوي) منطلقا من مسلمة تتلخص في كون المسألة السياسية بشكل عام ليست من أساسيات الدين ولا من أصوله وإنما هي مسألة تبعية تخضع للاجتهاد البشري وما تقتضيه الظرفية، وهي نفس الخلاصة التي يصل إليها في نهاية الكتاب.
    من هنا يمكن أن نقول بأن الدكتور إنما نأى بنفسه عن الخوض في متاهات الانتصار لرأي على آخر ليلقي الضوء على المنهجية السليمة التي ينبغي على كل فاعل في الحقل الدعوي الالتزام بها حيال هذا الأمر(السياسة والحكم).
    لذلك فالدكتور لا يعطي وجهة نظره –في معرض حديثه عن الفكر السياسي المعاصر- في مسألة الديمقراطية كمفهوم مستقل قائم بذاته، وإن كنا نستشف من خلال قراءة السطور نوعا من الرفض للتأويل العلماني للديمقراطية باعتبارها بديلا عن شرع الله، وإنما أوردها في سياقها السياسي العام.
    وإن كان من حكم يستنتج من خلال دراسته حول المسألة الديمقراطية، فهو تركها للاجتهاد وعدم المغالاة بالجزم بحرمتها مطلقا أو إباحتها مطلقا، وذلك راجع إلى غياب نص شرعي قطعي الدلالة والثبوت يحسم في هذه المسألة.
    أعترف أن الأمر من الصعوبة والتشعب ما يجعله صعب الاحتواء والإحاطة به من جميع زواياه، ولعل تطوير النقاش في المسألة كفيل بتوضيح الصورة أكثر فأكثر.
    أما المقاربة التي سأعتمدها فهي ترتكز على ثلاث نقاط أساسية
    تعريف الديمقراطية
    تعريف الشورى
    أوجه الاختلاف والتشابه

    تعريف الديمقراطية:

    يصعب إيجاد تعريف قار وموحد للديمقراطية شأنها شأن جميع العلوم الإنسانية فهي نسبية التعاريف، فقد اختلف في تعريفها الفلاسفة القدماء مثل روسو و مونتيسكيو والمعاصرين من أمثال كانط وراسل، وعلى العموم فالكلمة أصلها علماني غربي وهي من الآليات التي تمكن الجماعة السياسية من اتخاذ قراراتها الإستراتيجية والحاسمة بطريقة توافقية أو بطريقة الإجماع أو الأغلبية كما يقول الدكتور "عبد النبي بورزيكي"1 ولعل أن هناك أسباب كثيرة أدت إلى الإبهام والغموض الذي يلف المصطلح من أهمها ما أشار إليه مالك بن نبي بقوله "...لكننا على جانب أقل معرفة فيما يخص مصطلح (ديمقراطية) فنحن لا نعرف متى درج في اللغة العربية كمفردة مستوردة، ولا نعرف حتى تاريخ حدوثه في لغته الأصلية، وإنما نعرف أنه صيغ في اللغة اليونانية قبل عصر بيركليس..."2
    على العموم فالراجح أن الكلمة يونانية الأصل مركبة من كلمتين Demosوتعني عامة الناس و Kratia وتعني حكم وبهذا تكون الديمقراطية Democratia تعني لغة حكم الشعب أو حكم الشعب لنفسه.
    وهي شكل من أشكال الحكم يقوم على تداول السلطة سلميا و إقرار حكم الأغلبية وفي هذا السياق يقول الدكتور حيدر إبراهيم علي "فهي لم تأت لتحديد أحكام شرعية أو فقهية، بل لتنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين وتأكيد الحريات وحقوق الإنسان بحسب رؤيتها وتاريخها"3 وبالنظر إلى ظروف نشأة وتطور الديمقراطية نستطيع أن نعرف بعض مميزاتها التي جعلتها تبدو كقارب نجاة ينتشل الإنسانية من ظلمات الاستبداد إلى أنوار الحرية، "ميزة الديمقراطية أنها اهتدت خلال كفاحها الطويل مع الظلمة والمستبدين من الأباطرة والملوك والأمراء إلى صيغ ووسائل تعتبر-إلى اليوم- امثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين"4 فقد كانت الديمقراطية بمثابة ثورة على سلطة الكنيسة المتحالفة مع الإقطاع، محاولة إعادة الاعتبار للفرد داخل المجتمع وإحلال الدولة الديمقراطية مكان الدولة التيوقراطية.
    أما على مستوى الممارسة فقد انقسمت الديمقراطية إلى مباشرة وغير مباشرة. ففي الأولى يقوم كل مواطن بالمشاركة المباشرة في رسم الخريطة السياسية والتشريعية للدولة؛ وهو نظام أقل انتشارا في العالم بالمقارنة مع النظام الديمقراطي المباشر حيث ينتخب المواطنون ممثلين عنهم، ولعل الفارق في اختيار أحد النظامين يؤول إلى الطبيعة الجغرافية للبلد حيث يستعصى النموذج الأول في دول شاسعة المساحة مترامية الأطراف.
    إن طبيعة المفهوم الفضفاضة يجعل من الصعب محاكمة الممارسة إلى أصل مجمع عليه وهذا ما يفسر ظهور عدة ديمقراطيات ، فهناك التجربة الهندية والفرنسية والأمريكية والإنجليزية...

    تعريف الشورى:

    تعريفها اللغوي : (( الشورى اسم من المشاورة . وتشاور أي استخرج ما عنده من رأي ))
    ويقول أهل اللغة : (( والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها يجرى أو غيرها .
    تعريفها الاصطلاحي : تعريفات السلف للشورى تكاد تكون متوافقة وإن اختلفت تعبيراتهم فقد عرفها الأصفهاني بأنها : (( استخراج الرأي لمراجعة البعض للبعض )) وعرفها ابن العربي بأنها هي : الاجتماع على الرأي ليستشير كل واحد صاحبه ويستخرج ما عنده , وقد عرفها أحد المعاصرين بقله : (( استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق ))5
    وهي من المبادئ الإسلامية التي تتيح للأمة النظر والبث في قضاياها العامة وفي قضية الحكم والتولية بصفة خاصة. جاء في كتاب "البيان الإسلامي" لعلي غزت بيغوفيتش "إننا نتبين في تاريخ عهد الخلفاء الراشدين الأربعة – ولعله العهد الوحيد الذي كانت السيادة فيه للنظام الإسلامي الأصيل- ثلاثة وجوه جوهرية لمبدأ الشورى:
    1 اختيار الأمة لرئيس الدولة.
    2 مسؤولية رئيس الدولة أمام الأمة.
    3 وجوب إشراك الأمة في النظر في شؤون المجتمع العامة والبث فيها."6
    وقد نص القرآن الكريم على الشورى في عدة آيات من الذكر الحكيم منها قوله تعالى " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"7 وكذلك الأمر مع السنة المشرفة فقد كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في العديد من المواقف ولعل أشهرها، غزوة بدر الكبرى حيث التجأ صلى الله عليه وسلم إلى الشورى في أمر استراتيجي يلعب دورا حاسما في أرض المعركة، ويتعلق الأمر بالمكان المناسب لاستقرار الجيش حيث تقدم المنذر بن الحباب بعرض مشورته على رسول الله فرأى عليه السلام أن رأيه أصوب فأخذ به.

    بين الشورى والديمقراطية:

    إنه رغم وجود أوجه تشابه كثيرة بين الديمقراطية والشورى فإنه لا يمكننا القول بتطابقهما، ذالك راجع لأسباب عدة منها طبيعة المنشأ، فالمفهومين ينتميان إلى بيئة سوسيوثقافية مختلفة "إن مقارنة هذين المفهومين اللذين ينتميان إلى كوكبات أفكار متباينة، إنما يعادل إجراء تماه تسلسلي وتجاهل الطبيعة التناسلية والسلالية للمفاهيم المعالجة"8 إنه لا يمكن تجاوز هذا الأمر في سياق البحث عن نقاط الالتقاء، ولعل هذا هو أصعب ما يواجه دعاة القريب.
    ومن جهة أخرى نجد اختلافا على مستوى الحمولات الأيديولوجية والقيمية، فالديمقراطية هيكل فارغ بدون مضمون وجسد بدون روح، لا تخضع سوى للرقابة الوضعية البشرية مما يفسح المجال واسعا لإمكانية التلاعب والمراوغة داخلها، ولعل أوضح مثال يؤكد ما توجهت إليه ما حصل بسويسرا في قضية منع المآذن، القرار إنما كان ديمقراطيا، فسويسرا تعمل بنظام الديمقراطية المباشرة وموافقة 55٪ من الشعب السويسري خلال الاستفتاء أتاح تمرير القرار، لكن إذا علمنا أن المسلمين هناك أقلية، واليمين المتطرف الذي يشكل قوة ضاربة داخل المجتمع والمساند بجل وسائل الإعلام، والمعلن لتوجهه الاستأصالي تجاه المسلمين والمهاجرين بصفة عامة، سيتضح لنا كيف يمكن للديمقراطية أن تلعب دور الحكم والجلاد في نفس الوقت.
    الدولة السويسرية الآن تتقاذفها ثلاث موجات رئيسة، موجة المنظمة الدولية لحقوق الإنسان، لأنه بسنها للقانون تكون قد تملصت من بند يعد من أهم بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الحق في اختيار الدين واتخاذ الرموز الدينية (وحقوق الأقليات)) وموجة اليمين المتطرف، فبمنعها القرار ستفتح عليها جبهة داخلية باسم الديمقراطية وبالتالي سيخسر الحزب الحاكم نقاطا من شعبيته. إضافة إلى موجة العلاقات الخارجية، فسويسرا تربطها- كما نعلم- علاقات اقتصادية مهمة مع العديد من الدول الإسلامية ومجرد التهديد بسحب الاعتمادات المالية سيقلب السياسة السويسرية رأسا على عقب (وأنا هنا أود أن أطمئن سويسرا شخصيا لأن الذي لم يحركه هدم مسجد-بل مساجد- بكامله على رؤوس مرتاديه في إطار حرب شاملة عاينها القاصي والداني، فكيف يحركه منع بناء مئذنة في جو من (الديمقراطية) ولم يسمع به سوى من كان يهمه الأمر؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون...).
    في حين أن الشورى تشريع إلهي يخضع لرقابة الضمير الملتزم ورقابة الدين، وهو بناء متكامل مبني على أساس متين وأهداف واضحة، فهو مبدأ صاحب الدولة الإسلامية منذ نشوئها يحفظ لها توازنها الداخلي، وقد تجلى الأمر في أكمل صوره مع عصر الخلافة الراشدة وهو العصر الذي يجب أن يقاس عليه لمعرفة نجاعة هذا المبدأ، فالأوضاع تغيرت مباشرة بعده و أصبحت الشورى –خاصة في العصر العباسي- لا تستدعى إلا في أمور جانبية كعملية لذر الرماد في العيون.
    ومن هنا "أي مقارنة بين مفهوم سياسي يفيد مجمله تقرير (سلطة الإنسان) في نظام اجتماعي معين ، وبين مفهوم ميتافيزيقي يفيد مجمله تقرير (خضوع الإنسان) إلى سلطة الله في هذا النظام أو غيره"9 .
    لكن ألا يمكننا الحديث عن إمكانية تحقيق توافق بين الديمقراطية والشورى كشكل من أشكال التفاعل الإيجابي؟
    ألم يكن عبر التاريخ تفاعل بين الحضارة الإسلامية بما تحمله من أبعاد روحية واعتقادية وبين أنظمة وثقافات بشرية؟ ثم هل يعد الأخذ بالديمقراطية من حيث كونها لا تمس بالشريعة الإسلامية مروقا من الدين؟.
    نعلم أن الدين الإسلامي إنما جاء للناس كافة بمختلف أعراقهم وأجناسهم وبيئاتهم وثقافاتهم، وهذا أمر لم ينكره الدين ولم يكن مغيبا من التشريع، وقد اثبت الإسلام عبر العصور مقدرة كبيرة على احتواء جميع الثقافات فما كان صالحا منها أبقى عليه وطوره وما كان غير ذلك أنكره وقومه؛ فنظام الحسبة مثلا لم يكن ابتكارا إسلاميا محضا ولكنه نتيجة تفاعل مع الحضارة الفارسية، والفرس إنما كانوا يعبدون النار فلم يمنع ذلك من الاستفادة مما أنتجه العقل الفارسي.
    يقول الدكتور فهمي هويدي"يظلم الإسلام مرتين مرة عندما يقارن بالديمقراطية، ومرة عندما يقال أنه ضد الديمقراطية، إذ المقارنة بين الاثنين خاطئة، وادعاء التنافي خطيئة. المقارنة متعذرة من الناحية المنهجية، بين الإسلام الذي هو دين ورسالة تتضمن مبادئ تنظم عبادات الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم، وبين الديمقراطية التي هي نظام للحكم وآلية للمشاركة وعنوان محمل بالعديد من القيم الإيجابية...باعتبار أن للإسلام مشروعه الحضاري الخاص، بينما الديمقراطية جزء من مشروع حضاري مغاير وهذا الاختلاف لا ينبغي أن يحمل بمعنى التضاد والخصومة، حيث يظل مجال الاتفاق قائما في بعض القيم الأساسية والمثل العليا لكنه ينبغي أن يفهم في إطار التنوع والتمايز " بل يذهب فهمي هويدي إلى أبد من ذلك ليقول "لا يحسبن أحد أنه يمكن أن تقوم لنا قائمة بغير الإسلام، أو أن يستقيم لنا حال بغير الديمقراطية، إذ بغير الإسلام تزهق روح الأمة، وبغير الديمقراطية التي نرى فيها مقابلا للشورى السياسية يحبط عملها" ثم يحدد ماهية الديمقراطية التي يريد التفاعل معها "الديمقراطية التي نقبلها ونعتبرها مقابلا للشورى، أو ترجمة معاصرة لها، هي تلك التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا"10 إنه عندما تعقد المقارنة بين الإسلام والديمقراطية فإن رهان الديمقراطية خاسر- بلا شك- فهذا أمر غير منطقي ولا مجال للمقارنة بين دين من عند الله يشمل كل مناحي الحياة وبين مبدأ يشكل جزءا من البناء الفكري لحضارة معينة وهو ما يؤكد عليه السيد قطب بقوله "بعض من يتحدثون عن النظام الإسلامي يجتهدون في أن يعقدوا الصلات والمشابهة بينه وبين أنواع النظم التي عرفتها البشرية قديما وحديثا، قبل الإسلام وبعده. ويعتقد بعضهم أنه يجد للإسلام سندا قويا حين يعقد الصلة بينه وبين نظام آخر من النظم العالمية القديمة أو الحديثة. إن هذه المحاولة إن هي إلا إحساس داخلي بالهزيمة أمام النظم البشرية التي صاغها البشر لأنفسهم في معزل عن الله....إن القاعدة التي يقوم عليها النظام الإسلامي تختلف عن القواعد التي تقوم عليها الأنظمة البشرية جميعا"11
    وأظن أن الحساسية المفرطة التي كانت تسيطر على العقل المسلم خلال مراحل حرجة من مراحل الأمة* جعل الموضوع يتجه نحو ما أسميه بالقياس الشامل، قياس الكل ضد الكل، الكل الغربي –الديمقراطية- والكل الإسلامي –الشريعة-.
    وإن كان محمد الغزالي قد حاول الفصل بين الجزء والكل، إلا أنه فصل حذر لا يخلو من نبرة شك حين يقول "والديمقراطية الحديثة تخضع الحاكم لرأي الكثرة، وتمنح السلطة التشريعية من التدخل في شؤون السلطة التنفيذية المحضة، فإن كان الذين يريدون إطلاق سلطة الحاكم عن دائرة الشورى يعنون ذلك فلا حرج عليهم، وإلا فكلامهم لغو لا يعتد به"12 وبنفس النهج والنفس يستر في تصريف موقفه " والأمة الإسلامية مصدر السلطات التي تنشأ بين ظهرانيها. وأعني أنها وحدها صاحبة الحق في اختيار الرجال الذين يولون أمرهم وفي محاسبتهم على ما يقومون به من أعمال، وفي ذمهم أو الثناء عليهم، وفي معاقبتهم إن أساؤوا وفي عزلهم ، وكلمة "مصدر السلطة" من مصطلحات العصر الحاضر، ونحن لا نهتم بالاسم وإنما نهتم بالحقيقة والمدلول، كما أننا نرفض التلاعب بالألفاظ ... وهذا هو ما نقصده بكلمة "الأمة مصدر السلطة" ولا يجرؤ أحد على إنكار ما نقرره هنا، وما نقرره هو ما تزعمه، أن صدقا وإن كذبا، شتى الأنظمة الإنسانية الحديثة.."13 .
    ما يمكن أن نخلص إليه هو أن الديمقراطية لا يجب أن توضع في مقابل الإسلام بل الأصح أن توضع مقابل –مقابلة تكامل لا مقابلة مقارنة- جزئية منه – بغض النظر عن أحكام القيمة (صح/خطأ، سليم /غير سليم )- ألا وهي جزئية نظام الحكم أو تدبير الشأن السياسي للدولة، على اعتبار أن هذا الأمر ليس من أركان الدين الإسلامي ولا من أساسياته، وأنه خاضع للاجتهاد بانتمائه إلى المرتبة الثالثة من مراتب التشريع (الإجماع)

    (يتبع)








    1 الدكتور عبد النبي بورزيكي باحث في العلاقات الدولية كلية الحقوق –فاس من هذا المنبر أوجه تحية خاصة لهذا الإنسان النموذجي الذي تحدى كل ظروف الإعاقة الجسدية لينتزع شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مؤخرا بنفس الكلية وقد حضرت مناقشة أطروحته التي كانت تحت عنوان "السياسة الخارجية من منظور الأحزاب المغربية" لأرى مدى الاحترام الذي أكنه له الدكاترة المشرفون، لا لكونه معاقا على كرسي متحرك، ولكن لقيمة العمل الذي أنجزه وعمقه ودقته وتفرده ، وقد كان لي لقاء معه بالغرفة التي يسكن بها ،في الحي الجامعي ظهر المهراز، ولم يبخل علي -كعادته مع كل من يقصده- حيث طرحت عليه مجموعة من الأسئلة فيما يخص الديمقراطية فوجدت منه إجابات شافية تتسم بمنهج علمي دقيق.
    2 مالك بن نبي القضايا الكبرى (دمشق دار الفكر 1991) ص134-135 (عن كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية)
    3 كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية /مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت، لبنان 1996ص144
    4 فهمي هويدي "الإسلام والديمقراطية" المستقبل العربي العدد 166ص4 (عن كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية)
    5 alshamsi.net عن موقع
    6 البيان الإسلامي ص35-36 منشورات الراية إعداد المقرئ الإدريسي أبو زيد 1994
    7 آل عمران الآية 159
    8 الكاتب الإيراني داريوش شايغان، النفس المتبلورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا (لندن دار الساقي، 1991) ص39 (عن كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية)
    9 مالك بن نبي القضايا الكبرى (دمشق دار الفكر 1991) ص134/135 (عن كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية)
    10 فهمي هويدي الإسلام والديمقراطية / القاهرة مركز الأهرام للترجمة والنشر 1993 ص 4-5-9 (عن كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية)
    11 العدالة الاجتماعية في الإسلام للسيد قطب ، دار الشروق ص75
    * لقد شهد مطلع القرن العشرين هجمة شرسة على الأمة الإسلامية من طرف المد اليساري المستقوي بالرياح الآتية من معاقل الشيوعية، مما ألقى حملا ثقيلا على كاهل العديد من الدعاة المنافحين عن الفكر الإسلامي من أجل الوقوف بوجه هذا المد بكل قوة وحزم؛ وقد ساهمت هذه الظروف في تشكيل خلفية فكرية جد حساسة تنظر بعين الريبة لكل وافد من الضفة الأخرى.
    12 محمد الغزالي "الإسلام والاستبداد السياسي" ص63 دار القلم دمشق 2003
    13 محمد الغزالي "مائة سؤال عن الإسلام" نهضة مصر للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة 2005 ص232- 234

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 249
    تاريخ التسجيل : 17/10/2009

    رد: بين الشورى والديمقراطية

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد ديسمبر 27, 2009 12:15 pm

    أخي صدقا أحييك بشدة على اهتمامك بسؤالي،فأنا لست هنا أمام مجرد رد عادي بل هو بحث معمق ودراسة في موضوع الشورى و الديمقراطية،و ما توقعت صراحة كل هذا و أنا أطرح سؤالي،لذا أقدم لك جزيل الشكر على مجهودك،صدقا لقد استفدت كثيرا من كل المعلومات التي أوردتها



      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين فبراير 27, 2017 1:20 pm